أحمد بن علي القلقشندي
173
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الجملة الخامسة ( في صفات أهلها في الجملة ) قد تقدّم أن معظم هذه المملكة في الإقليم الثالث . قال ابن سعيد : والإقليم الثالث هو صاحب سفك الدماء ، والحسد ، والحقد ، والغلّ ، وما يتبع ذلك . ثم قال : وأنا أقول : إن الإقليم الثالث وإن كثرت فيه الأحكام المرّيخيّة على زعمهم ، فإن للمغرب الأقصى من ذلك الحظَّ الوافر ، لا سيّما في جهة السّوس وجبال درن ، فإن قتل الإنسان عندهم كذبح العصفور ، قال وكم قتيل قتل عندهم على كلمة وهم بالقتل يفتخرون . ثم قال : إن الغالب على أهل المغرب الأقصى كثرة التنافس المفرط ، والمحاققة ، وقلة التغاضي ، والتهوّر ، والمفاتنة . أما البخل فإنما هو في أراذلهم ، بخلاف الأغنياء ، فإن في كثير منهم السماحة المفرطة والمفاخرة بإطعام والاعتناء بالمفضول والفاضل . المقصد الثالث ( في ذكر ملوكها ، وما يندرج تحت ذلك : من انتقال الملك من الموحّدين إلى بني مرين والتعريف بالسلطان أبي الحسن الذي أشار إليه في كلامه في « التعريف » . وهم على طبقات ) الطبقة الأولى ( ملوكها قبل الإسلام ) قد تقدّم أن بلاد المغرب كلَّها كانت مع البربر ، ثم غلبهم الرّوم الكيتم عليها ثم افتتحوا قرطاجنّة وملكوها ، ووقع بين البربر والرّوم فتن كثيرة كان آخرها أن وقع الصلح بينهم على أن تكون البلاد والمدن الساحليّة للروم ، والجبال والصحارى للبربر ، ثم زاحم الفرنج الروم في البلاد ، وجاء الإسلام والمستولي عليها من ملوك الفرنجة جرجيس ملكهم ، وكان ملكه متصلا من طرابلس إلى البحر المحيط ، وكرسيّ ملكه بمدينة سبيطلة ، ومن يده انتزعها المسلمون عند الفتح .